الثلاثاء، 24 ديسمبر 2013

شارع النفق المسؤولية والتداعيات



شارع النفق المسؤولية والتداعيات
د. صلاح الوادية
كاتب وباحث سياسي
يعيش قطاع غزة أزمة حقيقية في مياه الشرب من حيث حجم الاستهلاك وعدم صالحيتها للشرب وتلاشيها على الأمد البعيد، وهو الأمر الذي حذر منه سابقا وزير الزراعة في الحكومة المقالة حيث قال أن أكثر من 95% من المياه الجوفية في قطاع غزة غير صالحة للشرب أو الاستخدام الآدمي بشكل عام، ما ينذر بانتشار العديد من الأمراض والأوبئة في صفوف المواطنين، كما طالب المواطنين بترشيد الاستهلاك حفاظا على الحد الأدنى الممكن من المياه الصالحة للشرب.
حكومة تعي درجة الخطر المحدق بالمواطنين وتحذر منه وجب عليها أن تعمل كل السبل الممكنة لدرء هذا الخطر، أو تبتدع حلول ممكنة وواقعية، أو تعلن عن عدم مقدرتها على حل مشاكل المواطنين، وبالتالي غير قادرة على إدارة الحياة اليومية للمواطنين.
عندما بدأ الحديث عن قدوم منخفض عميق للمنطقة وبأن فلسطين سينالها نصيب كبير من حمولة هذا المنخفض من مياه وثلوج سارع المسؤولون في حكومة غزة من وزارة التربية والصحة والبلديات وأولها بلدية غزة والأشغال للإعلان عن جاهزيتها لاستقبال المنخفض وأنها قامت بفحص وتنظيف مصافي الأمطار لاستيعاب الكميات المتزايدة من الأمطار، وكنت أتمنى أن يتم الإعلان عن عدة مشاريع إبداعية لاحتواء مياه الأمطار وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب في ظل أزمة المياه الحالية ولكن هذا لم يتم.
جاء المنخفض وضرب فلسطين بقوة أحدثت أضرار عديدة في الضفة الغربية تصل كلفتها الملايين نتيجة الحجم المهول للثلج الذي أصاب قطاع الزراعة، أما قطاع غزة فاتضح أن مصافي الأمطار ليست نظيفة كما تم الإعلان عنها ومناهل الصرف الصحي أغرقت الشوارع نتيجة الأوساخ التي بها، والطامة الكبرى كانت في مدينة غزة في شارع النفق المجاور لبركة الشيخ رضوان التي يتم تجميع مياه الأمطار فيها ومن ثم إعادة ضخها آنيا إلى البحر عبر مضختين إحداها متوقفة عن العمل منذ سنوات، حيث تم تعطيل المضخة الوحيدة التي تعمل مما أدى إلى تراكم مياه الأمطار من عدة أماكن في بركة الشيخ رضوان وتزايدت بشكل متسارع فامتلأت وبدأت تخرج منها المياه العادمة ومياه الأمطار نحو المنطقة المنخفضة المجاورة لها وهي شارع النفق فأغرقت الشارع بأكمله تقريبا وبه عشرات البيوت التي أصبحت تحت المياه جزئيا أو كليا مما أدى إلى خروج السكان إلى المدارس كمأوى والبعض ما زال صامدا في بيته ولكن في الطوابق العليا التي لم تصلها المياه، وما زال شارع النفق وبيوته غارقة في المياه العادمة ومياه أمطار المنخفض الذي أعلنت حكومة غزة استعدادها له حتى الآن.
هنا يثار إتهام بين أوساط العامة من سكان المنطقة بأنه تم إيقاف المضخة عمدا حتى تحدث حالات غرق تصلح للبكاء على معاناة الغرقى من قبل المسؤولين لاستجلاب الدعم من الخارج، شخصيا أستبعد ذلك وأقول بأن السبب هو إهمال من قبل المسؤولين بدءا من رئيس البلدية وحتى الشخص المسؤول عن تشغيل تلك المضخة، ويجب محاسبتهم عن معاناة الناس ومحاسبة كل من أعلن عن جاهزية مؤسسته وهو غير جاهز بالمطلق لما فيه من استخفاف بعقول المواطنين، ولو حدثت تلك الكارثة في دولة محترمة لديها حكومة قادرة على إدارة شؤون المواطنين لتم محاسبة شريحة واسعة من المسؤولين وعلى رأسهم رئيس البلدية، فالمحطة تم إيقافها فعلا، أما السبب فهو غير معلوم بعد، وإن كانت الحجة نقص الوقود فالحكومة هي المسؤولة عن أزمة الوقود وليس الناس الأبرياء.
جدير بالذكر أن بيوت الأسر المتضررة لن تصبح صالحة للسكن بعد أن تنحصر المياه عنهم لأنها ضربت الأساسات، والمصانع والمحلات كلها أعدمت، فهل سيتم تعويض المتضررين بالحجم الحقيقي لضررهم أم هي أزمة وستنقضي بأقل التكاليف.

salahwadia@gmail.com

الأحد، 22 ديسمبر 2013

المفاوضات وحق الإقرار الشعبي



المفاوضات وحق الإقرار الشعبي
د. صلاح الوادية
كاتب وباحث سياسي
ما يقارب العقدين من المفاوضات الحثيثة في حياة القائد عرفات الذي أقر في نهاية المطاف بعقم المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي المماطل، لم تنجب هذه المفاوضات إلا اتفاقا غير رحيم بالفلسطينيين أضاع عليهم الوقت وأهدر حقوقهم في فلسطين التاريخية وكبلهم جغرافيا واقتصاديا، المفاوضات هي التي دفعت الراحل عرفات إلى مقاومة المخرز تسليما لأذاه على أن يغض البصر عن مخاض محتمل مشوه لتلك المفاوضات.
السيد الرئيس محمود عباس يؤمن كل الإيمان إيمانا بالثلاثة أن الحل الوحيد والأمثل والأنجح والأنجع هو المفاوضات (المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات)، رغم أنه يعتصر ألما كل يوم من نتائج المفاوضات السابقة التي جلبت الحواجز والتقسيم وفقدان الجغرافيا وضعف التسليح والتكبيل الاقتصادي المجحف باتفاقية باريس غير العادلة، والتصريح الشخصي لسيادته بالتنقل على الأرض الفلسطينية، والاقتصاد الفلسطيني الذي قوامه معبر إسرائيلي التحكم، وإدارة حياة المواطنين يوم بيوم، وموازنات تتطلب التسول قبل نهاية كل شهر، ومستوطنات تنهش جسد الوطن بالكامل، وغيرها الكثير من مآسي أوسلو يعيشها الرئيس عباس يوميا وساعة بساعة هو دون سواه، ومع ذلك لا يؤمن سيادته إلا بالمفاوضات.
مفاوضات اليوم لا تختلف عن الأمس قيد أنملة إلا بوجوه الرعاة والمفاوضين، هل سيكون الطرف الأمريكي محايدا اليوم بخلاف الأمس، حيث كان يعرف أن الطرف الفلسطيني يعاني ضغوطا أكبر بكثير من قبل الأمريكان مما يعانيه من الطرف الإسرائيلي، بالمطلق لا لن يكون حياديا والدليل التهديد المتكرر للطرف الفلسطيني بوقف المساعدات، والالتزام المطلق بأمن إسرائيل، وتقديم الأمن في التفاوض على الحدود عكس رغبة الطرف الفلسطيني وتسايرا مع رغبة الطرف الاسرائيلي، والحلول النتقالية، ومع ذلك تستمر المفاوضات، مع علمنا المطلق بعدم رغبة إسرائيل في الوصول إلى حلول ومع ذلك نعول على إحراجها دوليا.
الرئيس عباس وعد الشعب الفلسطيني بأنه لن يوقع على أي اتفاق مع الجانب الإسرائيلي إلا بعد أن يخضع هذا الاتفاق لاستفتاء شعبي كامل وأنه سيلتزم بنتيجة الاستفتاء، هذا جيد ولكن هل حقا سيتمكن الرئيس عباس في حين تم التوصل إلى حل أن يقول لكيري أو من وراؤه تمهلوا حتى أرى رأي الناس، وإن كان كذلك فلماذا لا يتم إخضاع قرار الاستمرار في التفاوض والتمديد لعام آخر لاستفتاء شعبي، نظرا لعدم نجاعة تلك المفاوضات بات من الضروري الاحتكام للشعب ليصادق على أو يرفض البرنامج السياسي التفاوضي للسيد الرئيس، وحينها يكون الرئيس له سندا شعبيا في قوله لا أو نعم، أن يوقف المفاوضات أو يستمر فيها، ويستطيع أن يسكت الجميع أو أن يلتزم كونه مواطنا فلسطينيا بالأساس للإجماع الشعبي.
تحدثنا كثيرا مسبقا عن براعة وقدرة وتفرد الطاقم المفاوض برئاسة عريقات وهل هو حقا منقطع النظير، ولديه نظرة ثاقبة في رغبته الدائمة بالتفاوض، وأن الحياة السياسية الفلسطينية بات محورها التفاوض، قبل ذلك كان أبو العلاء قريع ومحمد دحلان وحسن عصفور أقوى المفاوضين إلى جانب عريقات ويؤمنوا إيمانا مطلقا في المفاوضات اليوم نجد هؤلاء يعلنون ليلا نهارا أن المفاوضات بشكلها وبرنامجها الحالي هي مضيعة للوقت وخطرا حقيقيا على المشروع الوطني الفلسطيني، وأعتقد جازما أن صائب عريقات يوما ما سيكتب عن سلبية المفاوضات وسيحذر من عدم جدية المفاوض الاسرائيلي وعدم حياد الراعي الأمريكي وسيعلن عن رفضه للتفاوض مستقبلا نتيجة لخبرته الطويلة مع الطرف الاسرائيلي.
يجب العودة إلى الشعب ليقرر ما هو مفيد له وما هو غير مفيد له، ما يرغب فيه وما لا يرغب فيه، المستقبل الفلسطيني ملك للجميع ولا يجوز رسمه بعيدا عن الكل الوطني والإجماع الشعبي.

الاثنين، 8 يوليو 2013

جماعة الإخوان المسلمين وتاريخ الصراع في مصر



جماعة الإخوان المسلمين وتاريخ الصراع في مصر
د. صلاح الوادية
للإخوان المسلمين تاريخ حافل بالأحداث والصراعات، ولنبدأ بالنشأة، حيث نشأت جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 على يد المرشد الأول المؤسس حسن البنا، وكان الهدف المعلن من تشكيلها نشر التعاليم الدينية والتمسك بها وتفقيه العباد، وكان واضحا من أهداف النشأة المعلنة الغيرة على الدين الإسلامي الذي كان يواجه قصوراً آنذاك حسب رؤية الإخوان.
وخلال بضع سنوات ومنذ عام 1938 باتت الجماعة تتدخل في كل شاردة وواردة في الحياة اليومية العامة السياسية والاجتماعية و الإقتصادية في مصر، بل لفظت الدستور وأوضحت أن الدستور الواجب اتباعه هو القرآن.
ولم يكتفي حسن البنا بذلك بل راسل حكام العالم العربي والإسلامي وناداهم بالعمل على دفع المسلمين للتمسك بإسلامهم من خلال العمل بخمسين مطلب حددها خطابه.
إن المتتبع لتاريخ الإخوان يلاحظ أنه منذ السنوات الاولى للنشأة وحتى الان والجماعة تمر بل وتدير صراعات مع كل الحكام الذين مروا على مصر بل وخلافات شديدة مع معظم القوى السياسية من الوفد وصولاً إلى حزب النور السلفي الذي كان حليفهم بالأمس، ولتتبع ذلك نمر سريعاً على الأنظمة المختلفة منذ ظهور الإخوان حتى وقتنا هذا وعلاقة الإخوان بهم.
أولا: نظام الملك فاروق.
كانت العلاقة وطيدة بين جماعة الإخوان والقصر وكان للجماعة حرية العمل حتى باتت تنافس شعبية حزب الوفد نتيجة توسعهم الكبير شعبوياً، إلى أن وقعت أحداث التفجيرات وإلقاء القنابل والذي تم اتهام الجماعة بها، وعلى أثرها ونتيجة لقلق الملك من توسعهم، تم حل الجماعة وبعدها أُغتيل البنا الأمر الذي بعث بالطمأنينة في صدر الملك، ولم تعد الجماعة للعمل إلا عام 1951.
ثانيا: نظام جمال عبد الناصر.
ساندت الجماعة الضباط الأحرار في ثورة 32 يوليو، وكانت علاقتها مميزة بقيادة الثورة لدرجة أن مجلس قيادة الثورة حل جميع الأحزاب ما عدا جماعة الإخوان المسلمين لأنها قدمت نفسها في حينه على أنها جماعة دينية دعوية لا تهتم بمجال السياسة ولا تهتم بالحكم ولا الإنتخابات.
وسرعان ما بدأت المواجهة مع عبد الناصر، عندما طالبت الجماعة ضباط الثورة العودة للثكنات وإعادة المدنية والنيابية للبلاد، وذلك على أثر رفض عبد الناصر عرض تقدمت به الجماعة بالتدخل في قرارات مجلس قيادة الثورة والتعديل عليها بما يتلائم والشريعة، وفي 26 أكتوبر 1954 تعرض عبد الناصر لمحاولة إغتيال على يد أحد المنتمين للجماعة مما دفع بقيادة الثورة لشن حملة إعتقال  واسعة في صفوف الجماعة وإعلان حظرها، إضافة إلى إعدام بعض من قياداتها ومفكريها وعلى رأسهم سيد قطب المفكر الأول للجماعة.
ثالثا: نظام أنور السادات.
تحسنت علاقة الجماعة بالسادات بعد سياسة المصالحة التي اتبعها عقب توليه السلطة وتبييض السجون وإغلاقها، وأعطى الجماعة مساحة جيدة من حرية العمل والرأي، حتى جاءت اتفاقية كامب ديفيد للسلام 1977 التي عارضتها الجماعة أيما معارضة، الأمر الذي اضطر معه السادات لاعتقال معضم الفاعلين السياسيين للجماعة وباقي القوى السياسية، وتضييق الخناق على الجماعة، على أثر ذلك تحركت مجموعة من الإسلاميين القريبين من الإخوان لاغتيال السادات وقد نجحوا في ذلك عام 1981.
رابعا: نظام محمد حسني مبارك.
على غرار سابقيه بدأ مبارك عهده بمصالحة وطنية شاملة طالت كل القوى السياسية وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، واستمر الوفاق بين السلطة والجماعة ما يقارب عشرة سنوات، وكان هناك مساحة لا بأس بها من الحرية في العمل للإخوان، حتى بدأت الجماعة معارضة حكم مبارك بحجة علاقته ببعض الدول الغربية والشيوعية واسرائيل.
وبدأ النظام يشن حملات اعتقال واسعة وموسمية زادت على أثرها الفجوة بين النظام والجماعة، وكثفت الجماعة أيضاً من نشاطها المعارض وصدامها مع النظام.
وأذا تأملنا الرصد السابق لتاريخ الجماعة مع السلطة نجدها أنها بدأت علاقتها مع كل الحكام بوفاق نتيجة سياسة الحكام في بداية عهدهم، ثم تنقلب العلاقة إلى صراع وخلافات ومعارضة شديدة نتيجة الإعتراض الدائم لسياسات الحكومة وإصرار الجماعة التدخل في الشأن السياسي للنظام، وهو الشئ الذي ما رفضته جميع الأنظمة التي عاصرها الإخوان.
كما نلاحظ أن الجماعة عندما اختلفت مع القصر في عهد الملك فاروق مهدت إلى استخدام العنف والتفجيرات، وفي عهد عبد الناصر حاولت الجماعة اغتياله شخصياً ولكنها فشلت، وفي عهد السادات نجحت جماعة إسلامية قريبة من الإخوان إغتيال السادات، أما في عهد مبارك فنجد مصر في فترة التسعينيات شهدت أحداث عنف كبيرة راح ضحيتها الكثير من الأبرياء وتلك التفجيرات اتهم فيها الإخوان، وهذا يدعونا إلى القول أن أقصر الطرق لتحقيق أهداف الجماعة في الفكر الإخواني هو العنف والإقصاء.
الصراع والخلاف الذي رسمته جماعة الإخوان كخيار أول لها مع السلطة إنسحب على علاقتها مع القوى السياسية حتى المتفقة معها على معارضة النظام، فهي ترفض كل التيارات والقوى السياسية غير الإسلامية مثل الليبراليون والعلمانيون والشيوعيون والناصريون والفديون وغيرهم بل وتكفيرالبعض منهم، وحتى القوى السياسية الاسلامية التي تختلف معها ترفضها أيضاً وتهاجمها مثال ذلك خلافها مع حزب النور السلفي الذي انسحب من التحالف الإسلامي لنصرة شرعية مرسي وطالب بانتخابات مبكرة، حيث هاجموه بأشد وأغلظ الألفاظ وهاجموا بيوت بعض قياداته، بل وكفره بعض قيادات الإخوان.
وفكرة الرفض الإخواني تعود إلى المؤسس حسن البنا الذي رفض الحزبية وأعلن عداءه للأحزاب السياسية وأعتبرها نتاج أنظمة مستوردة ولا تتلاءم مع البيئة المصرية وأنه لا حزبية في الاسلام، على اعتبار أن جماعة الاخوان المسلمين ليست حزباً وإنما جماعة دينية دعوية.
عقب ثورة 25 يناير أسس الإخوان حزب الحرية والعدالة وتم انتخاب محمد مرسي رئيساً للحزب من قِبل مجلس شورى الإخوان، وفي 24 يونيو 2012 تم إعلان فوز محمد مرسي برئاسة مصر، وهذا الذي طالما طمحت إليه الجماعة منذ بداياتها وهو التأثير في السلطة على الأقل وصولاً لسدة الحكم، وقد تحقق لها ذلك أخيراً، ولكن الإخوان أخطأوا كعادتهم فهم تعاملوا على أنهم وحدهم في الساحة السياسية والسلطوية المصرية وتجاهلوا الجميع الجيش والأحزاب والشعب، وكانت قراراتهم منفردة والتشكيلات والتغيرات التي قام بها الرئيس مرسي لصالح الاخوان من حيث أخونة المؤسسات والمحافظات والحكومة وإهانة الجيش بإقالة قادته وعدم استشارتهم في أمور الحكم، وفشل الحوار مع القوى السياسية، وشعور الإخوان بأنهم ليسوا بحاجة للقوى السياسية لإدارة الدولة، وتمرير جماعة الإخوان لدستور يتناسق مع فكرها باستفتاء طعنت القوى السياسية بصحته، وعدم أخذ وإحترام آراء الأقباط في ذلك الدستور، وتشكيل حكومة بأغلبية إخوانية، وعدم مقدرة مرسي على إحتواء المؤسسة الأمنية متمثلة في الداخلية ومهاجمتها لفظياً، والمواجهة مع الصحافة والإعلاميين نتيجة عدم إكتراث مرسي لهم بل ووصفهم بمنتهكي القانون، ومعاداته للمعارضة من خلال خطاباته التحريضية والاستخفافية بهم، ووصف حركة تمرد والشباب في الميادين بالفلول مما زاد من غضبهم عليه.
وسيطرة خيرت الشاطر العقل الاقتصادي للجماعة على الكثير من المصانع والبضائع والوكالات وزيادة ثروته بشكل مهول حتى وصلت مليارات.
كل ذلك مرده فكرة الهيمنة لدى جماعة الإخوان كتنظيم قوي متماسك قادر على إدارة حكم البلاد منفرداً، دون حاجته لأحد، ولفكرة تكفير الآخر التي تلازم الجماعة.
على الإخوان مراجعة حساباتهم وطرق تعاملهم مع الآخر وسبل عيشهم وانتشارهم بين الناس، كما عليهم احترام عقول الاخرين وعدم اللعب بالدين والقدسية الإلهية، وإعادة ترتيب صفوفهم للسباق الإنتخابي القادم، والذي يجب أن يتم في اطار من المناقشة بمحبة وقبول وإلغاء فكرة الرفض من منهجهم.
إن عزل الجيش لمرسي جاء نتيجة لاستفتاء شعبي واسع وكبير وغير مسبوق، من خلال الملايين التي طافت في الشوارع والميادين، وفكرة الشرعية هي ملك للشعب وللشعب ولا يجب أن تستخدم ضده، فالأصل في الديمقراطية هي رضى الشعب لا إرغامه وإلا بماذا اختلفت الديمقراطية عن الاستبداد والدكتاتورية.
وإذا سلمنا بأن عزل مرسي إنقلاب، فإن الجماعة هي من بدأت بالإنقلاب على الشعب عندما سرقت الثورة بعدما لحقت بها متأخرة، وهي التي خطفت الحكم لها وحدها ولم تشرك به الثوار ولا القوى السياسية ولا الشعب، وهي التي جعلت من أصدقاء الأمس أعداء اليوم.
أتمنى أن لا يعودوا الإخوان لأسلوب تعاملهم المعتاد مع الأزمات، وأن ينبذوا العنف عملاً لا قولاً، وأن يعودوا لينسجموا في النسيج الشعبي والوطني المصري، ولا يكونوا هكذا منفردين كمن يغني خارج السرب.

الجمعة، 7 ديسمبر 2012

الاستيطان في المنطقة E1 وأثره على الدولة الفلسطينية


ظهر رد الفعل الإسرائيلي على توجه الرئيس عباس للأمم المتحدة سريعا, ولم يمنع الإجماع الدولي بوجوب استقلال الفلسطينيين الحكومة الإسرائيلية من ممارسة كبرها وعنجهيتها المطلقة واستحقار المجتمع الدولي والقانون الدولي, بل وحتى الاستخفاف بأصدقائها وحلفائها الدائمين.
 قررت حكومة نتنياهو بناء 3600 وحدة استيطانية جديدة في منطقة E1, كان هذا القرار بمثابة الرد العنيف على قرار أبو مازن, وهو بمثابة حفر خندق كبير أمام عربة أي دولة يشيدها الفلسطينيون، ومنطقة E1 تقع بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم, ويقوم مشروع البناء بربط معاليه أدوميم بمدينة القدس وتحديدا القدس الشرقية وفصل الأخيرة عن الضفة الغربية ومحيطها العربي كليا، ومنطقة E1 هي احد المناطق التي لم تطالها آلة التخريب الاستيطانية وبقيت على حالها منذ بداية العهد الميلادي , وتوصف بأنها منحدر ترابي قاحل يقع على الطريق المؤدي إلى الصحراء والبحر الميت , وتبلغ مساحة منطقة E1 12 كيلو متر مريع , تقع في الخصر الضيق للضفة الغربية , ومن الخلف تطل على القدس الشرقية.

سبب حساسية منطقة
E1 وإصرار إسرائيل على البناء فيها كرد فعل على خطوة الدولة الفلسطينية كعضو مراقب هو أن البناء في هذه المنطقة سوف يربط معاليه أدوميم بالقدس الشرقية وهو ما يسمونه الإسرائيليون (تجمع مستوطنات إسرائيل في القدس) وما يعرف بمشروع (قدس1 أو j1) وهو مصطلح عبري دارج, ويفصل البناء الترابط الجغرافي بين الضفة الغربية والقدس الشرقية وبالتالي عدم إمكانية تحقيق دولة فلسطينية في حدود 1967 لأن القدس الشرقية سوف تكون معزولة عن باقي الأراضي الفلسطينية, كما سيكون من الصعب تقسيم القدس إلى غربية وشرقية, فالبناء الاستيطاني الجديد يقوم بطبع القدس الشرقية بالطابع اليهودي والتأكيد على يهوديتها, ويتضح أهمية هذا البناء بالنسبة لإسرائيل من خلال تأكيدها على عدم التراجع عن البناء والذي قامت باستثمار 200 مليون دولار في البني التحتية فقط تمهيدا لبناء أحياء استيطانية تربط القدس بمعاليه أدوميم.
قرار البناء لاقى ردود فعل دولية وعربية غاضبة, حيث استدعت كل من فرنسا وبريطانيا والسويد السفير الإسرائيلي لديها وأبلغته احتجاج حكوماتها على البناء في المنطقة E1, كما وحذت حذوهما كل من اسبانيا والدنمارك وبنما والاتحاد الأوروبي، وعلى الصعيد العربي قامت مصر باستدعاء السفير الإسرائيلي لديها وإبلاغه احتجاج الحكومة المصرية الشديد على البناء في المنطقة E1.
وتعالت أصوات إسرائيلية تندد بقرار البناء في المنطقة E1, حيث هاجم رام عيمانوئيل نتنياهو مرتين قائلاً (إن نتنياهو خان الرئيس الأمريكي باراك أوباما عدة مرات), أما تسيبي ليفني قالت (إن نتنياهو حرك المجتمع الدولي ضد إسرائيل مرتين في شهر واحد, وأضافت إن قرار إسرائيل ببناء وحدات استيطانية في المنطقة E1 هو بمثابة بصقة في وجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي دعم إسرائيل في عدة مواقف, أما أولمرت فقد قال (لا أجد ضرورة للبناء في المنطقة E1), أما المؤيدين لهذه الخطوة يرون أنها توسع طبيعي من مستوطنة معاليه أدوميم التي تضم أكثر من 30 ألف مستوطن, أما دانيال سيدمان مؤسس منظمة أرض القدس غير الحكومية التي تراقب التطور الحضري في القدس وحولها فقال (هذه ليست مستوطنة عادية إنها مستوطنة يوم القيامة) في إشارة إلى مدى أهميتها للإسرائيليين.
كل الحكومات الإسرائيلية السابقة أكدت للرئاسة الأمريكية بأنه لن يتم بناء مستوطنات في هذه المنطقة, حيث تم ضم المنطقة 1E إلى مستوطنة معاليه أدوميم عام 1994 وصدر قرار من حكومة رابين آنذاك للبناء فيها ولكن نظرا للرفض والغضب الذي واجهه القرار تم تجميده, وبعد الرفض الأمريكي لقرار البناء الحالي بسبب أن البناء سوف يهدم أي فرص لاستئناف المفاوضات, اتهمت صحف وشخصيات إسرائيلية الولايات المتحدة الأمريكية بأنها خلف الاحتجاجات التي تواجهها إسرائيل من الدول الأوروبية.
على ما يبدو أن سمة المرحلة القادمة بانت معالمها وهي تحدي إسرائيلي للولايات المتحدة، وتوسع استيطاني سريع، ومعاقبة الفلسطينيين على التوجه للأمم المتحدة, وإرسال رسائل لدول العالم ال 138 التي صوتت لصالح دولة فلسطين عضو مراقب مفادها أن تصويتكم لا يلزم إسرائيل بشيء وأن إسرائيل فوق قانون الدول.
بالتالي إن لم يكن رادع للقرارات الإسرائيلية المنفردة وأهمها البناء في المنطقة E1 يجب على الفلسطينيين الاستفادة من قرار الأمم المتحدة وإشهار سيف القانون الدولي والشرعية الدولية والتوجه للجهات الدولية المختصة مثل محكمة الجنايات ومجلس الأمن, لتقديم شكاوي حول السلوك الإسرائيلي المشين والتوسع الاستيطاني الخطير, يجب وضع حد عاجل للاستيطان على كل الأراضي الفلسطينية، صحيح إن قرار البناء في المنطقة E1 يحتاج لوقت طويل للتنفيذ ولكن إن لم يحبط الآن سوف يصبح شيء عادي روتيني وقضية من الماضي, وإذا ما حصلنا على دولة فلسطينية بالمفاوضات أو وفق الشرعية الدولية يجب أن تكون تلك الأراضي متصلة وبالقدس أولا وتضم القدس الشرقية قبل كل شيء.

الخميس، 1 نوفمبر 2012

السيناريوهات الإسرائيلية والخيارات الفلسطينية في ظل حكومة الليكود بيتنا



فاجئ نتنياهو الجميع بما فيهم قيادات الليكود بتحالفه الجديد مع ليبرمان، واللذان كان واضحا فيما قبل عدم انسجامهم واتفاقهم على العديد من القضايا أو على الأقل كما أظهروا، وما فاجئنا أكثر سرعة التصويت والقبول الواسع الذي حصل عليه هذا التحالف من قبل أعضاء الليكود، ربما الخطاب القصير الحماسي الذي ألقاه نتنياهو يدلل على ما يريده من هذا التحالف، أيضا يعطي مؤشرات جلية وقوية عن ماهية المرحلة اليمينية المطلقة الآتية، والتي قد تكون من أصعب المراحل على الفلسطينيين.
إن مرحلة حكم نتنياهو السابقة 1996-1999 لم تكن وردية أكثر من مرحلة حكمه الحالية، حيث اتسمت بوقف المفاوضات التي أعاقها هو شخصيا واتفاقه مع رئيس بلدية القدس على الاستمرار في حفريات النفق تحت السور الغربي للمسجد الأقصى الأمر الذي أشعل هبة الأقصى 1996 والتي سقط على أثرها العديد من الشهداء، وبالتدقيق ترى أن نتنياهو وليبرمان لا يختلفان عن بعضهما إلا في التواري خلف الابتسامة والحديث الدبلوماسي، وذلك معناه أن التحالف الجديد " الليكود بيتنا " يميني وتطرف بامتياز.
تصريحات ليبرمان في الأيام القليلة الماضية بخصوص الرئيس عباس كانت من أكثر التهديدات تطرفا التي وجهها مسؤول إسرائيلي لرئيس فلسطيني سواء الراحل عرفات أم عباس، حتى شارون لم يجهر بنيته قتل عرفات إلا من خلال بعض التسريبات، أما ليبرمان فلم يجد حرج سياسي ولا إنساني في أن يعلن رغبته في موت الرئيس عباس أو حتى العمل على إنهاء حياته بوصفه عقبة أمام السلام، أيضا نتنياهو كثيرا ما وصف عباس بأنه لا يصلح أن يكون شريك في عملية السلام وبأنه يتعمد إحراج إسرائيل دوليا.
طبعا لا ننسى التهويد والابرتهايد والاستيطان المستمر يوميا والدعم الهائل الذي يخصصه نتنياهو لذلك، ففي خضم معركته الخاصة لإنجاح تحالفه الجديد وأزمته الشخصية مع الإدارة الأمريكية وتدهور العلاقة مع الفلسطينيين، صادق نتنياهو من خلال حكومته على بناء 180 وحدة استيطانية جديدة في القدس الشرقية، أي أن الاستيطان لديه أولوية أولى وأن القدس كما ذكرها على منصة المؤتمر إسرائيلية بالمطلق وبلا شراكة لا شرقية ولا غربية، ولا اعتقد أن ليبرمان سيكون أكثر تطرفا من ذلك إلا من ناحية التنفيذ.
وللوقوف على أثر هذا التحالف اليميني الصهيوني المتطرف على السلطة الوطنية الفلسطينية يجب استعراض بعض السيناريوهات.
-    بما أن نتنياهو وليبرمان متفقين على عدم وجود شريك فلسطيني لعملية السلام إذن ربما يلجأوا إلى خطوات أحادية الجانب، مثل الخروج من بعض المدن الفلسطينية المتكدسة بالسكان وإعلان انفصال إسرائيل عنها، على شاكلة الانفصال أحادي الجانب الذي قام به شارون عام 2005 من قطاع غزة.
-    استمرار الاستيطان وبشراهة أكبر من ذي قبل، وسحب تصاريح المرور من الشخصيات المهمة، ومنع وصول عائدات الضرائب للسلطة، وبذلك يحكم الخناق على السلطة طوال فترة حكم الليكود بيتنا والمراهنة على عدم صمود السلطة.
-    ربما يلجأوا إلى خطوة أكثر تطرفا وهي محاصرة الرئيس عباس شخصيا في المقاطعة على غرار الحصار الذي مر به الراحل ياسر عرفات، والذي استشهد وهو رازح تحت هذا الحصار.
-    العمل على عزل السلطة الفلسطينية دوليا من خلال شن حملة دبلوماسية شرسة واسعة النطاق لمحاولة إقناع العالم بعدم التعاطي مع السلطة بصفتها غير راغبة في السلام.
-    جر السلطة إلى مفاوضات تسويفية جديدة من خلال ضغط أمريكي يهدف إلى منع السلطة من التفكير في خيارات مجدية أكثر من المفاوضات العبثية مثل التوجه للأمم المتحدة لطلب عضوية دولة غير عضو في الجمعية العمومية.

ما سبق قد يؤدي بالمجمل إلى وصول السلطة إلى أقصى حالات ضعفها وربما انهيار محتمل، ولذلك على السلطة القيام بعدة خطوات احترازية لمواجهة التطرف الصهيوني القادم، وأهم تلك الخطوات:
-    العمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني فورا، وتسريع عجلة المصالحة، وتقديم تنازلات حقيقية من قبل الجانبين، فأي تنازلات تقدم من أجل ردم الهوة الفلسطينية هو تصرف وطني محض، وذلك من أجل الظهور أمام العالم كجهة واحدة والقدرة على التصدي للهرطقات الصهيونية.
-        تحديد موعد واضح ومحدد وقريب للتوجه للأمم المتحدة وعدم التردد أو انتظار نتيجة الانتخابات الأمريكية أو سواها.
-        إعادة مأسسة السلطة الوطنية الفلسطينية وهيكلتها، بما يضمن قدرتها على البقاء في حال تعرضت لأي حصار مالي أو كياني.
-        تشبيك مؤسسات الضفة كليا بمثيلاتها في غزة، مما يجعل عزل مؤسسات السلطة في رام الله من قبل إسرائيل أمر غير ممكن.
-    إطلاق حملة دبلوماسية إستباقية دولية توضح تطرف الحكومة الإسرائيلية المقبلة ونواياها تجاه السلطة الفلسطينية وتجاه السلام، وذلك لحث المجتمع الدولي للضغط على هذه الحكومة المتطرفة من أجل التقدم نحو السلام، وإفشال أي حملة دبلوماسية قد تسوقها إسرائيل ضد السلطة الفلسطينية.
-        إعادة تفعيل شبكة الأمان العربية التي تم الحديث عنها سابقا ولم تتقدم قيد أنملة.
-    إقرار خطة اقتصادية وطنية شاملة، قادرة على الصمود في وجه أي حصار إسرائيلي مالي قادم، أو في حال تم وقف تحويل عوائد الضرائب.

الاثنين، 22 أكتوبر 2012

حماس والسلفية الجهادية



حماس والسلفية الجهادية
صلاح الوادية
بعد أن كانت سجون  الأمن الداخلي التابع لحكومة حماس تعج بعناصر وكوادر حركة فتح إلى جانب الجنائيين والنصابين والمشبوهين بقضايا  التخابر، أصبحت تلك السجون في الآونة الأخيرة نزلا دائما للسلفيين اللذين يتعرضون لحملة اعتقالات واسعة من قبل حكومة حماس عقب عملية سيناء البشعة في أغسطس 2012 واتهامهم بالمشاركة فيها, حتى أصبح سلفيون غزة يقولون إن حماس تعتقلهم بتعليمات مصرية.
لم يتوقف الأمر على الاعتقالات وإنما انتقل إلى شوارع قطاع غزة الرئيسية منها وغير الرئيسية, حيث انتشرت قوات الشرطة ويرافقها من يرافقها من القسام واضعة حواجز حديدية متقاربة جدا بحيث يبعد كل حاجز عن الآخر ما لا يزيد عن نصف كيلو متر, وبحوزة رجال الشرطة الواقفين على الحواجز صورة ينظرون إليها عندما يوقفون المركبات، ويقارنون بين الصورة ومن داخل المركبة، حتى بدأنا نرى تلك الحواجز في الشوارع المؤدية إلى الحدود مع الاحتلال ومع مصر.
وفي خضم ذلك أقدم الاحتلال على اغتيال قائد جماعات السلفية الجهادية في قطاع غزة هشام السعيدني وأشرف صباح أمير أنصار السنة، حيث أن السعيدني وصباح من أهم مؤسسي مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس، والذي وحد الجماعات السلفية في القطاع في كيان واحد وتحت ولاية أمير واحد، ويقول أبو العيناء الأنصاري أحد قيادات السلفية في قطاع غزة في تصريح لموقع القدس دوت كوم " إن أغلب الذين تم استهدافهم مؤخرا تم اغتيالهم عقب خروجهم من مقرات الاعتقال بغزة "، وكم يذكرني ذلك بالأمس القريب حين كانت حركة حماس تقول " إن إسرائيل تغتال كوادرها وهم خارجون من مقرات السلطة في إشارة منها للتنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال ".
المجتمع الفلسطيني بطبعه شعب عاطفي ينجر وراء عواطفه حتى في السياسية، وكثيرا ما نجحت الفصائل المختلفة وحتى الدول والشخوص السياسيين بتكوين موقف مؤيد ومساند لهم داخل المجتمع الفلسطيني لمجرد تصريح دغدغ مشاعر الناس أو تصويت لصالح القضية في أي محفل مهم أو غير مهم.
أما فيما يتعلق بالاعتقالات السياسية فهي دائما تنصر المسجون على السجان في قلوب الناس، وصورة الضحية دائما تلازم المسجون، وفصائلنا تتقن استغلال محنة معتقليها لتخاطب الناس بلغة المستضعف الذي تفتئت عليه فئة ظالمة، هذا الخطاب بدأت تستعيره الجماعات السلفية وتحاول إتقانه، فهو كان السبب الأساس في تعاطف الناس مع حركة حماس في السابق قبل نجاحها في انتخابات يناير 2006، الأمر الذي أكسبها الانتخابات أيضا، وما زالت حماس حتى اللحظة تحاول استخدام نفس الخطاب في الضفة الغربية، لكن حماس اليوم باتت مكشوفة للرأي العام أكثر من ذي قبل.
ديدن المقاومة ينتقل اليوم من حماس إلى السلفيين، حركة حماس اليوم تقوم بحملات اعتقال في صفوف السلفيين اللذين يصرحوا للإعلام بأن حماس تضطهدهم وتلاحقهم وتقتحم بيوتهم وتستبيح حرماتها وذلك لأنهم فقط مقاومين، بدأنا نرى خطاب المقاومة السحري ينتقل للسلفيين، وبدأ جزء كبير من الشارع الفلسطيني يتعاطف معهم وإن كان على تشددهم مآخذ عدة ولكن الناس تنكر على حماس اعتقالاتها ومنعها للمقاومة، أداة الجذب العجيبة، إذن انتقل مصطلح المقاومة من قبعة حماس السحرية إلى ألسنة السلفيين والناطقين باسمهم.
إذا نظرنا لتركيبة مجلس الشورى سنجد خليط كبير من كل الجماعات السلفية في القطاع، وأفراد هذه الجماعات هم من الناس ومن الشارع العادي البسيط ومنسحبين من الفصائل جميعا والكثير من كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، إذن في أجندة هذه الجماعات ما يجذب الناس وما يؤثر في قناعاتهم.
واضح أنهم في تزايد بطئ ولكنه مستمر، فتجد لون خطاباتهم وتصريحاتهم أصبحت بها نبرة قوة وتحدي ومدلول جديد على قاعدة واسعة ومتزايدة، وتحديدا بعد أن تم توحيد كياناتهم المتناثرة في كيان واحد وهو مجلس الشورى.
قبل ذلك تحدث السلفيين عن إمارة إسلامية فقامت حماس بمحقهم في آب 2009، عندما قضت قوات خاصة من القسام على عبد اللطيف موسى ومن معه في المسجد الذي كان يتحصن فيه، اليوم عاد يتركز حديث الجماعات السلفية عن حتمية إقامة إمارة إسلامية فهل تستطيع حركة حماس كتم أفواههم بنفس الطريقة السابقة.
هناك عدة أسباب تدعو لنمو وترعرع الجماعات السلفية الجهادية بصبغتها المتشددة في قطاع غزة أهمها :
أولا: الضغط الشديد الذي تمارسه حكومة حماس على الشارع الفلسطيني بكل فئاته، وحالة الفقر والحاجة وتبدد أسباب الحياة وانعدام الأفق السياسي، والهزل الذي تمارسه الحكومة كل يوم مع التجار وأصحاب المحال والسائقين وأصحاب المهن، واحتقارها للفصائل غير المتوافقة معها، كل ذلك أدى إلى ضغط كبير على الناس والشباب تحديدا.
ثانيا: اهتزاز نموذج الإسلام السياسي المعتدل في نظر الناس والذي كانت تمثله حركة حماس في فلسطين بسبب دخولها معترك الحكم، وصراعها على المصالح الدنيوية، والمنافسة بالقوة للحصول على السلطة، مما دفع الكثير من الشباب المتدين للبحث عن نموذج إسلامي آخر يقدم لهم مرضاة الله والوصول إلى الآخرة دون الانغماس في الدنيا.
ثالثا: الأنفاق المفتوحة التي حتى وقت قريب لم يكن هناك رقابة حقيقية عليها في جانب انتقال البشر، مما أدى إلى دخول الكثير من أعضاء السلفية الجهادية من غير الفلسطينيين إلى قطاع غزة، وهم ساهموا بالأساس بتأسيس تلك الجماعات.
يجب العلم أن الزمن لا يتوقف عند أحد، وأن الصغير يكبر، والفصائل والأحزاب لها دورة حياتية طبيعية مثل البشر، واليوم أصبحت جماعات السلفية الجهادية تنظيم فلسطيني ينافس وبنفس وسائل المنافسة التي اتبعتها حركة حماس سابقا، إن سجون حماس استخدمت للجم السلفيين والمفارقة أنهم وحدوا صفوفهم وشكلوا مجلس شورى المجاهدين وهم داخل المعتقل السياسي في سجون الأمن الداخلي التابع لحكومة حماس وأشدها قوة، لذلك على الحكام إعادة النظر بطريقة حكمهم للناس وأخذ عبرة من التغيرات الدراماتيكية للجماعات السلفية الجهادية.